فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

مُساهمة من طرف عادل عارف في الأحد أبريل 06, 2008 2:25 pm

فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب
ركب الخيلَ والإِبل والبغال والحمير، وركب الفرس مُسْرَجَةً تارة، وَعَرِيَّا أخرى، وكان يُجريها في بعض الأحيان، وكان يركب وحده، وهو الأكثر، وربما أردف خلفه على البعير، وربما أردف خلفه، وأركب أمامه، وكانوا ثلاثة على بعير، وأردف الرجال، وأردف بعضَ نسائه، وكان أكثرَ مراكبه الخيل والإِبل‏.‏ وأمّا البغال، فالمعروف أنه كان عنده منها بغلة واحدة أهداها له بعضُ الملوك، ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب، بل لما أهديت له البغلة قيل‏:‏ ألا نُنزي الخيل على الحمر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إِنَّمَا يَفْعَلُ ذِلِكَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ‏)‏‏.‏
فصل
واتخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الغنم‏.‏ وكان له مائة شاة، وكان لا يُحب أن تزيد على مائة، فإذا زادت بهمة، ذبح مكانها أخرى، واتخذ الرقيق من الإِماء والعبيد، وكان مواليه وعتقاؤه من العبيد أكثر من الإِماء‏.‏ وقد روى الترمذي في ‏(‏جامعه‏)‏ من حديث أبي أمامة وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أيما امْرئٍ أَعْتَقَ امرءَاً مسلِماَ، كَانَ فِكَاكَه مِنَ النَّار، كلُّ عضوِ مِنهُ عضواً مِنهُ، وَأَيّمَا امْرئٍ مسلِم أَعتَقَ امْرَأَتين مسْلِمَتَين، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يجَزِئُ كل عضوين مِنهُمَا عُضواً منِهُ‏)‏ هذا حديث صحيح‏.‏
وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل، وأن عتق العبد يَعْدِل عتق أمتين، فكان أكثر عتقائه صلى الله عليه وسلم من العبيد، وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر، والثاني‏:‏ العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان‏.‏ والثالث‏:‏ الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل‏.‏ والرابع‏:‏ الميراث والخامس‏:‏ الدية‏.‏
فصل
وباع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم واشترى‏.‏
وكان شراؤه بعد أن أكرمه اللّه تعالى برسالته أكثَر من بيعه، وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يُحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره، كبيعه القدح والحلس فيمن يزيد، وبيعه يعقوب المدبَّر غلام أبي مذكورة، وبيعه عبداً أسود بعبدين‏.‏
وأمّا شراؤه، فكثير، وآجر، واستأجر، واستئجاره أكثر من إيجاره، وإنما يُحفظ عنه أنه أجر نفسه قبل النبوة في رعاية الغنم، وأجر نفسه من خديجة في سفره بمالها إلى الشام‏.‏
وإن كان العقد مضاربة، فالمضارب أمين، وأجير، ووكيل، وشريك، فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يُباشره بنفسه من العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح‏.‏ وقد أخرج الحاكم في ‏(‏مستدركه‏)‏ من حديث الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، عن جابر قال‏:‏ آجرَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نفسه مِن خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جَرَشَ كل سَفرَةٍ بِقَلُوصٍ، وقال‏:‏ صحيح الإِسناد‏.‏
قال في ‏(‏النهاية‏)‏‏:‏ جُرَش، بضم الجيم وفتح الراء مِن مخاليف اليمن، وهو بفتحهما بلد بالشام‏.‏
قلت‏:‏ إن صح الحديث، فإنما هو المفتوح الذي بالشام، ولا يَصِحُّ، فإن الربيع بن بدر هذا هو عُلَيْلَة، ضعفه أئمة الحديث‏.‏ قال النسائي والدارقطني والأزدي‏:‏ متروك، وكأن الحاكم ظنه الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد اللّه‏.‏
وشارك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ولما قدم عليه شريكهُ قال‏:‏ أما تَعرِفُني‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أما كُنْتَ شَرِيكي‏؟‏ فَنِعْمَ الشَّرِيكُ كُنْتَ لا تدَارِي ولا تُمَارِي‏)‏‏.‏
وتدارئ بالهمزة من المدارأة، وهي مدافعة الحق، صارت من المداراة، وهي المدافعة بالتي هي أحسن‏.‏ ووكَّلَ وتَوَكَّل، وكان توكيلُه أكثرَ من توكّلِه‏.‏
وأهدى، وَقَبِلَ الهدية، وأثاب عليها، ووهب، واتّهَبَ، فقال لسلمة بن الأكوع، وقد وقع في سهمه جارية‏:‏ ‏(‏هَبْهَا لِي‏)‏ فوهَبَها له، فَفَادَى بها مِنْ أهْلِ مكّة أُسَارَى مِنَ المُسلمين‏.‏
واستدان برهن، وبِغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحالِّ والمؤجَّلِ‏.‏
أحكام متعددة في العقود
وضمن ضماناً خاصاً على ربِّه على أعمالٍ مَنْ عَمِلَها كان مضموناً له بالجنَة، وضمانا عاماً لديون من تُوفيَّ مِن المسلمين، ولم يدع وفاءً أنها عليه وهو يُوفيها وقد قيل‏:‏ إن هذا الحكمَ عام للأئمة بعده، فالسلطان ضامن لديون المسلمين إذا لم يُخلفوا وفاءً، فإنها عليه يُوفيها من بيت المال، وقالوا‏:‏ كما يرثه إذا مات، ولم يَدَعْ وارثاً، فكذلك يقضي عنه دينَه إذا مات ولم يَدَعْ وفاءً، وكذلك يُنْفِقُ عليه في حياته إذا لم يكن له مَنْ يُنْفِقُ عليه‏.‏ ووقفَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم أرضاً كانت له، جعلها صدقةً في سبيل اللّه، وتشفَّع، وَشُفِّع إليه، وردَت بريرةُ شفاعتَه في مراجعتها مُغيثاً، فلم يغضب عليها، ولا عَتِبَ، وهو الأسوة والقدوة، وحلف في أكثرَ من ثمانين موضعاً، وأمره اللَّهُ سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبّيَ إِنّهُ لَحَقّ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 53‏]‏ قال تعالى‏:‏‏{‏وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلَىَ وَرَبّي لَتَأْتِيَنّكُمْ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 3‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏زَعَمَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَن لّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىَ وَرَبّي لَتُبْعَثُنّ ثُمّ لَتُنَبّؤُنّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 7‏]‏ وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكِر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، ولا يُسميه بالفقيه، فتحاكم إليه يوماً هو وخصمٌ له، فتوجهت اليمينُ على أبي بكر بن داود، فتهيأ للحلف، فقال له القاضي إسماعيل‏:‏ أو تحلِفُ ومثلُك يحلف يا أبا بكر‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ وما يمنعني من الحلِف وقد أمر اللّه تعالى نبيه بالحلِف في ثلاثة مواضع من كتابه، قال‏:‏ أين ذلك‏؟‏ فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جداً، ودعاه بالفقيه مِن ذلك اليوم‏.‏
وكان صلى الله عليه وسلم يَستثني في يمينه تارة، ويكفِّرها تارةً، ويمضي فيها تارةً، والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تَحُلهَا بعد عقدها، ولهذا سماها الله تَحِلَّة‏.‏
وكان يُمازح، ويقول في مُزاحِه الحق، ويُوَرِّي، ولا يقول في توريته إلا بحق، مثل أن يُريد جهة يقصِدها فيسأل عن غيرها كيف طريقُها‏؟‏ وكيف مياهُها ومسلكها‏؟‏ أو نحو ذلك‏.‏ وكان يُشير ويستشير‏.‏
وكان يعود المريض ويشهدُ الجِنازة، ويُجيب الدَّعْوَة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم، وسمع مديحَ الشعر، وأثاب عليه، ولكن ما قيل فيه من المديح، فهو جزء يسير جداً مِن محامده، وأَثاب على الحق‏.‏ وأما مدحُ غيره من الناس، فأكثرُ ما يكون بالكذب، فلذلك أَمَرَ أن يُحثَى في وجُوه المداحينَ التُّرابُ‏.‏
وسابق رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بنفسه على الأقدام، وصارعَ، وخَصَفَ نعله بيده، ورقَعَ ثوبه بيده، ورقَعَ دلوه، وحلب شاته، وَفَلَى ثوبَه، وخدم أهله ونفسه، وحمل معهم اللَّبِنَ في بناء المسجد، وربط على بطنه الحجر من الجوع تارة، وشبع تارة، واضافَ وأضيفَ، وأحتجم في وَسَط رأسه، وعلى ظهر قدمه، واحتجم في الأخدعين والكاهل وهو ما بين الكتفين، وتداوى، وكوىَ ولم يكتَوِ، ورقى ولم يَسْتَرْقِ، وحمى المريض ممَّا يؤذيه‏.‏
وأصول الطب ثلاثة‏:‏ الحِمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادة المضرة ، قد جمعها اللّه تعالى له ولأمته في ثلاثةَ مواضع من كتابه، فحمى المريض مِن استعمال الماء خشيةَ من الضرر، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ مّرْضَىَ أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 43‏]‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ فأباح التيمم للمريض حمية له، كما أباحه للعادم، وقال في حفظ الصحة‏:‏ ‏{‏فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 184‏]‏ فَأبَاحَ للمسافر الفطرَ في رمضان حفظاً لصحته، لئلا يجتمع على قوته الصوم ومشقةُ السفر، فَيضعَفُ القوة والصحة‏.‏ وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمحرم ‏:‏ ‏{‏فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏ فَأبَاح للمريض وَمَن به أذى من رأسه وهو مُحرِم أن يحلق رأسه، ويستفرِغ المواد الفاسدة، والأبخرة الرديئة التي تولد عليه القَملَ، كما حصَل لكعب بنْ عُجْرَةَ، أو تُولد عليه المرض، وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كل جنس منها شيئاً، وصورة، تنبيهاً بها على نعمته على عباده في أمثالها من حِميتهم، وحِفظِ صِحَّتهم، واستفراغ مواد أذاهم، رخصةً لعباده، ولطفاً بهم، ورأفة بهم‏.‏ وهو الرّؤوف الرحيم‏.‏

عادل عارف
Admin

عدد الرسائل : 1764
تاريخ التسجيل : 27/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://smahaaleslamadelaref.chocoforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى