فصل‏:‏ في الرد على مَن زعم أنه صلى الله عليه وسلم حَجَّ متمتعاً

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فصل‏:‏ في الرد على مَن زعم أنه صلى الله عليه وسلم حَجَّ متمتعاً

مُساهمة من طرف عادل عارف في الأحد أبريل 06, 2008 5:27 pm

فصل‏:‏ في الرد على مَن زعم أنه صلى الله عليه وسلم حَجَّ متمتعاً

وأما مَن قال ‏:‏ حجَّ متمتُّعاً تمتُّعاً لم يَحِلَّ منه لأجل سَوْق الهَدْى كما قاله صاحب ‏(‏ المغنى ‏)‏ وطائفة ، فعذرُهم قولُ عائشة وابن عمر ‏:‏ تمتَّع رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ‏.‏ وقول حفصة ‏:‏ ما شأن الناس حلُّوا ولم تَحلَّ من عمرتك ‏؟‏ وقول سعد في المتعة ‏:‏ قد صنعها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وصنعناها معهُ ، وقول ابن عمر لمن سأله عن متعة الحَجِّ ‏:‏ هي حلال ‏؟‏ فقال له السائلُ ‏:‏ إن أباكَ قد نهى عنها ، فقال ‏:‏ أرأيتَ إن كان أبي نهى عنها ، وصَنَعَهَا رسولُ اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، أأمَر أبي تَتَّبِعُ ، أم أمَر رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ‏؟‏ فقال الرجل ‏:‏ بل أمرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ‏.‏ فقال ‏:‏ لقد صَنَعَها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وآلهِ وسلَّم ‏.‏



قال هؤلاء ‏:‏ ولولا الهَدْىُ لحلَّ كما يحلُّ المتمتعُ الذي لا هَدْىَ معه ، ولهذا قال ‏:‏ ‏(‏ لولا أنَّ مَعىَ الهَدْىَ لأَحْلَلْتُ ‏)‏ فأخبر أن المانع له مِن الحلِّ سوقُ الهَدْى ، والقارنُ إنما يمنعه من الحلِّ القِرانُ لا الهَدْىُ ، وأربابُ هذا القول قد يُسمُّون هذا المتمتَع قارناً ، لِكونه أحرَم بالحَجِّ قبل التحلل من العُمْرةِ ولكنَّ القِران المعروفَ أن يُحرِم بهما جميعاً ، أو يُحرمِ بالعُمْرة ، ثم يُدخِلَ عليها الحَج قبل الطواف ‏.‏



والفرق بين القارِن والمتمتع السائق من وجهين ، أحدهما ‏:‏ من الإحرام ، فإن القارن هو الذي يُحرِم بالحَجِّ قبل الطواف ، إما في ابتداء الإحرام ، أو في أثنائه ‏.‏



والثانى ‏:‏ أن القارن ليس عليه إلا سعىٌ واحد ، فإن أتى به أولاً ، وإلا سعى عقيبَ طواف الإفاضة ، والمتمتعُ عليه سعى ثانٍ عند الجمهور ‏.‏ وعن أحمد رواية أخرى ‏:‏ أنه يكفيه سعى واحد كالقارن ، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يسعَ سعياً ثانياً عقيبَ طوافِ الإفاضة ، فكيف يكونُ متمتعاً على هذا القولِ ‏.‏



فإن قيل ‏:‏ ‏:‏ فعلى الرواية الأخرى ، يكون متمتعاً ، ولا يتوجه الإلزام ، ولها وجه قوى من الحديث الصحيح ، وهو ما رواه مسلم في ‏(‏ صحيحه ‏)‏ ، عن جابر قال ‏:‏ لم يطفِ النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا أصحابهُ بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ‏.‏ طوافَه الأول هذا ، مع أنَّ أكثرَهم كانُوا متمتِّعين ‏.‏ وقد روى سفيانُ الثورىُّ ، عن سلمةَ بن كُهيل قال ‏:‏ حلف طاووس ‏:‏ ما طاف أحدٌ من أصحاب رسولِ اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لِحَجِّه وعُمرته إلا طوافاً واحداً ‏.‏



قيل ‏:‏ الذين نظروا أنه كان متمتعاً تمتعاً خاصاً ، لا يقولُون بهذا القول ، بل يُوجِبون عليه سَعيين ، والمعلومُ مِن سُّـنَّته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، أنه لم يسعَ إلا سعياً واحداً ، كما ثبت في الصحيح ، عن ابن عمر ، أنه قرن ، وقدم مكة ، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ، ولم يزد على ذلك ، ولم يحلِقْ ولا قصَّر ، ولا حَلَّ مِن شئ حرم منه ، حتى كان يومُ النحر ، فنحَرَ وحلَق رأسه ، ورأى أنه قد قضى طوافَ الحجِّ والعُمْرة بطوافِه الأول ، وقال ‏:‏ هكذا فعل رسولُ الله صلى اللَّه عليه وآله وسلم ‏.‏ ومراده بطوافه الأول الذي قضى به حَجَّه وعُمْرته ‏:‏ الطوافُ بين الصفا والمروة بلا ريب ‏.‏



وذكر الدارقطنى ، عن عطاء ونافع ، عن ابن عمر ، وجابر ‏:‏ أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم ، إنما طاف لحَجِّه وعُمرته طوافاً واحداً ، وسعى سعياً واحداً ، ثم قَدِمَ مكة ، فلم يسعَ بينهما بعد الصَّدَرِ فهذا يدل على أحدِ أمرين ، ولا بُد إما أن يكون قارناً ، وهو الذي لا يُمكن مَن أوجبَ على المتمتع سعيينِ أن يقولَ غيرَه ، وإما أن المتمتع يكفيه سعىٌ واحد ، ولكن الأحاديث التي تقدَّمت في بيان أنه كان قارناً صريحةٌ في ذلك ، فلا يُعدَل عنها ‏.‏



فإن قيل فقد روى شعبةُ ، عن حُميد بن هلال ، عن مُطرِّف ، عن عِمران بن حُصين ، أن النبىَّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، طاف طوافين ، وسعى سعيين ‏.‏ رواه الدارقطنى عن ابن صاعد ‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى الأزدى ، حدثنا عبد اللَّه بن داود ، عن شعبة ‏.‏ قيل ‏:‏ هذا خبر معلول وهو غلط ‏.‏ قال الدارقطنى ‏:‏ يقال ‏:‏ إن محمد بن يحيى حدَّث بهذا من حفظه ، ‏]‏فوهم في متنه والصواب بهذا الإسناد ‏:‏ أن النبىَّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم قرن بين الحَجِّ والعُمرة واللَّه أعلم ‏.‏ وسيأتى إن شاء اللَّه تعالى ما يدل على أن هذا الحديث غلط ‏.‏



وأظن أن الشيخ أبا محمد بن قدامة ، إنما ذهب إلى أنَّ رسولَ اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم كان متمتعاً ، لأنه رأى الإمام أحمد قد نصَّ على أن التمتعَ أفضلُ مِن القِران ، ورأى أن اللَّه سُبحانه لم يكن لِيختارَ لِرسوله إلا الأفضلَ ، ورأى الأحاديثَ قد جاءت بأنه تمتع ، ورأى أنها صريحةٌ في أنه لم يَحِلَّ ، فأخذ من هذه المقدمات الأربع أنه تمتع تمتعاً خاصاً لم يَحِلَّ منه ، ولكن أحمد لم يُرجح التمتع ، لكون النبىَّ صلى الله عليه وسلم حجَّ متمتعاً ، كيف وهو القائل ‏:‏ لا أشكُّ أن رسولَ اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم كان قارناً ، وإنما اختار التمتع لِكونه آخِرَ الأمرين مِن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، وهو الذي أمر به الصحابة أن يَفسخُوا حَجَّهم إليه ، وتأسَّف على فوته ‏.‏



ولكن نقل عنه المَرْوَزِى ، أنه إذا ساق الهَدْىَ ، فالقِران أفضل ، فمِن أصحابه مَنْ جَعل هذا رواية ثانية ، ومِنهم مَن جعل المسألة روايةً واحدةً ، وأنه إن ساق الهَدْىَ ، فالقِران أفضلُ ، وإن لم يَسُقْ فالتمتُّع أفضلُ ، وهذه طريقة شيخنا ، وهى التي تليق بأصولِ أحمد ، والنبىُّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لم يتمنَّ أنه كان جعلها عُمْرةٌ مع سوقه الهَدْىَ ، بل ودَّ أنه كان جعلها عُمْرة ولم يَسُقِ الهدىَ ‏.‏



بقى أن يُقال ‏:‏ فأىُّ الأمرين أفضلُ ، أن يسوقَ ويَقْرِنَ ، أو يترك السَّوْق ويتمتَّعَ كما ودَّ النبىُّ صلى الله عليه وسلم أنه فعله ‏.‏



قيل ‏:‏ قد تعارض في هذه المسألة أمرانِ ‏.‏



أحدُهما ‏:‏ أنه صلى الله عليه وسلم قرن وساق الهَدْى ، ولم يكن اللَّه سبحانه لِيختار له إلا أفضلَ الأمور ، ولا سيما وقد جاءه الوحى به من ربه تعالى ، وخيرُ الهَدْى هَدْيه صلى الله عليه وسلم ‏.‏



والثانى قوله ‏:‏ ‏(‏ لو اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرى ما اسْتَدْبَرْتُ لمَا سُقْتُ الهَدْىَ ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً ‏)‏ ‏.‏ فهذا يقتضى ، أنه لو كان هذا الوقتُ الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه ، لكان أحرم بعُمْرة ولم يَسُق الهَدْى ، لأن الذي استدبره هو الذي فعله ، ومضى فصار خلفه ، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ ، بل هو أمامَهُ ، فبيَّن أنه لو كان مستقبلاً لما استدبره ، وهو الإحرام بالعُمْرة دون هَدْى ، ومعلوم أنه لا يختارُ أن ينتقِلَ عن الأفضل إلى المفضولِ ، بل إنما يختارُ الأفضلَ ، وهذا يَدلُّ على أن آخِر الأمرينِ منه ترجيحُ التمتع ‏.‏



ولمن رجَّح القِرانَ مع السَّوقِ أن يقولَ ‏:‏ هو صلى اللَّه عليه وسلم لم يَقُلْ هذا ، لأجل أن الذي فعله مفضولٌ مرجُوح ، بل لأن الصحابة شقَّ عليهم أن يَحِلُّوا من إحرامهم مع بقائه هو مُحِرماً ، وكان يختار موافقتهم لِيفعلوا ما أُمِرُوا به مع انشراحٍ وقبول ومحبة ، وقد ينتقِل عن الأفضل إلى المفضول ، لما فيه من الموافقة وتأليف القلوب ، كما قال لعائشة ‏:‏ ‏(‏ لَوْلاَ أنَّ قَومَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بَجَاهِلَّيةٍ لَنَقَضْتُ الكَّعْبَةَ وجَعَلْتُ لهَا بَابَيْنِ ‏)‏ فهذا تركُ ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف ، فصار هذا هو الأَوْلى في هذه الحال ، فكذلك اختيارُه للمُتعة بلا هَدْى ‏.‏ وفى هذا جمع بين ما فعله وبين ما ودَّه وتمنَّاه ، ويكون اللَّه سبحانه قد جمع له بين الأمرين ، أحدُهما بفعله له ، والثانى ‏:‏ بتمنِّيه وودِّه له ، فأعطاه أجرَ ما فعله ، وأجرَ ما نواه من الموافقة وتمنَّاه ، وكيف يكون نُسُكٌ يتخلَّلُه التَّحللُ ولم يَسُقْ فيه الهَدْىَ أفضلَ مِن نُسُكٍ لم يتخلَّله تحلُّل ، وقد ساق فيه مائةَ بَدَنةٍ ، وكيف يكون نُسُكٌ أفضل في حقه من نُّسُك اختاره اللَّه له ، وأتاه به الوحىُ من ربه



فإن قيل ‏:‏ التمتع وإن تخلله تحلل ، لكن قد تكرَّرَ فيه الإحرامُ ، وإنشاؤه عبادة محبوبة للرب ، والقِران لا يتكرر فيه الإحرام ‏؟‏



قيل ‏:‏ في تعظيم شعائر اللَّه بسوق الهَدْى ، والتقرب إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرد تكرر الإحرام ، ثم إن استدامته قائمةٌ مقام تكرُّره ، وسوقُ الهَدْى لا مقابل له يقومُ مقامه ‏.‏



فإن قيل ‏:‏ فأيُّما أفضلُ ، إفراد يأتى عقيبَه بالعُمْرة أو تمتع يَحِلُّ منه ، ثم يُحِرمُ بالحج عقيبَه ‏؟‏



قيل ‏:‏ معاذ اللَّه أن نظن أن نُسُكاً قطُّ أفضلُ من النُّسُكِ الذي اختاره اللَّه لأفضل الخلق ، وسادات الأُمَّة ، وأن نقول في نُسُك لم يفعله رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من الصحابة الذين حَجُّوا معه ، بل ولا غيرُهم من أصحابه ‏:‏ إنه أفضلُ مما فعلوه بأمره ، فكيف يكون حَج على وجه الأرض أفضلَ مِن الحَجِّ الذي حجَّه النبى صلواتُ اللَّه عليه ، وأُمِرَ به أفْضَلُ الخلق ، واختاره لهم ، وأمرهم بفسخ ما عداه من الأنساك إليه ، وودَّ أنه كان فعله ، لا حَجَّ قطُّ أكملُ من هذا ‏.‏ وهذا وإن صح عنه الأمر لمن ساق الهَدْىَ بالقِران ، ولمن لم يسقْ بالتمتع ، ففى جوازِ خِلافه نظر ، ولا يُوحشْك قِلَّةُ القائلين بوجوب ذلك ، فإن فيهم البحرَ الذي لا يَنْزِفُ عبدَ اللَّه بن عباس وجماعةً من أهل الظاهر ، والسُّـنَّة هي الحَكَمُ بين الناس ‏.‏‏.‏ واللَّه المستعان ‏.‏

عادل عارف
Admin

عدد الرسائل : 1764
تاريخ التسجيل : 27/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://smahaaleslamadelaref.chocoforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى