فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

مُساهمة من طرف عادل عارف في الأحد أبريل 06, 2008 4:12 pm

فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

كان صلى الله عليه وسلم يعودُ مَنْ مَرِضَ من أصحابه، وعاد غلاماً كان يَخدِمه مِن أهل الكتاب، وعاد عمَّه وهو مشرك، وعرض عليهما الإِسلام، فأسلم اليهودي، ولم يسلم عمُّه‏.‏

وكان يدنو من المريض، ويجلِسُ عند رأسه، ويسألُه عن حاله، فيقول‏:‏ كيف تجدُك‏؟‏

وذكر أنه كان يسأل المريضَ عما يشتهيه، فيقول‏:‏ ‏(‏هَل تَشْتَهِي شَيئاً‏)‏‏؟‏ فإن اشتهى شيئاً وعلِم أنه لا يضرّه، أمر له به‏.‏

وكان يمسح بيده اليُمنى على المريض، ويقول‏:‏ ‏(‏اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاس، أَذْهِبِ البأْسَ، واشْفِه أَنتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إلا شِفاؤكَ، شِفاءً لا يُغادر سَقَماً‏)‏‏.‏

وكان يقول‏:‏ ‏(‏امسَح البَأسَ رَبَّ النَاس، بيَدكَ الشِّفَاءُ، لا كَاشفَ له إلاَّ أنت‏)‏‏.‏

وكان يدعو للمريض ثلاثاً كما قاله لسعد‏:‏ ‏(‏اللهم اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً‏)‏‏.‏

وكان إذا دخل على المريض يقول له‏:‏ ‏(‏لا بَأسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللّه‏)‏‏.‏

وربما كان يقول‏:‏ ‏(‏كَفَّارَةٌ وَطَهورٌ‏)‏ وكان يَرْقِي مَن به قَرحة، أو جُرح، أو شكوى، فيضِع سبَابته بالأرض، ثم يرفعها ويقول‏:‏ ‏(‏بِسْمِ اللّه، تُرْبَةُ أرْضِنا، بِرِيقَةِ بَعضِنا يُشْفى سَقِيمُنَا، بإذْنِ رَبِّنا‏)‏ هذا في ‏(‏الصحيحين‏)‏، وهو يبطل اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأنهم لا يرْقُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ فقوله في الحديث‏:‏ ‏(‏لا يرقون‏)‏ غلط من الراوي، سمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول ذلك‏.‏ قال‏:‏ وإنما الحديث ‏(‏هم الذين لا يَسْتَرْقُونَ‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب، لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاء، وهو سؤالُ الناس أن يرقوهم‏.‏ ولهذا قال‏:‏‏.‏‏(‏وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏)‏، فلكمال توكُّلهم على ربهم، وسُكونهم إليه، وثقتهم به، ورِضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به، لا يسألون الناس شيئاً، لا رُقيةً ولا غيرها، ولا يحصُلُ لهم طِيرَةٌ تصدُّهم عما يقصِدونه، فإن الطِّيَرَةَ تَنْقُصُ التوحيد وتُضْعِفُه‏.‏ قال‏:‏ والراقي متصدِّق مُحسن، والمسترقي سائل، والنبي صلى الله عليه وسلم رَقَى، ولم يسترق، وقال‏:‏ ‏(‏مَنْ اسْتطاع منكم أَنْ يَنْفَعَ أَخاه فَلْيَنْفَعْه‏)‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما تصنعون بالحديث الذي في ‏(‏الصحيحين‏)‏ عن عائشة رضي اللّه عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أوى إلى فراشه، جمع كفَّيه ثم نفَث فيهما، فقرأ ‏{‏قل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1‏]‏، و ‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَق‏}‏ ‏[‏الفلق‏:‏ 1‏]‏، و ‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس‏}‏ ‏[‏الناس‏:‏ 1‏]‏، ويمسح بهما ما استطاع مِن جسده، ويبدأ بهما على رأسه ووجهه ماَ أقبل من جسده، يفعلُ ذلك ثلاث مرات قالت عائشة‏:‏ فلما اشتكى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، كان يأمرني أن أفعل ذلك به‏.‏

فالجواب‏:‏ أن هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ‏.‏ أحدها‏:‏ هذا‏.‏ والثاني‏:‏ أنه كان ينفُث على نفسه، والثالث‏:‏ قالت‏:‏ كنت أنفُث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه لبركتها، وفي لفظ رابع‏:‏ كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوِّذات وينفُث، وهذه الألفاظ يُفسِّر بعضها بعضاً‏.‏ وكان صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه، وضعفه ووجعُه يمنعه من إمرار يده على جسده كله‏.‏ فكان يأمر عائشة أن تُمر يده على جسده بعد نفثه هو، وليس ذلك من الاسترقاء في شيء، وهي لم تقل‏:‏ كان يأمرني أن أرقيه، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده، ثم قالت‏:‏ كان يأمرني أن أفعل ذلك به، أى‏:‏ أن أمسح جسده بجده، كما كان هو يفعل‏.‏

ولم يكن مِن هديه عليه الصلاة والسلام أن يَخُصَّ يوماً من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتاً من الأوقات، بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلاً ونهاراً، وفي سائر الأوقات‏.‏ وفي ‏(‏المسند‏)‏ عنه‏:‏ ‏(‏إذا عَادَ الرَّجُلُ أَخَاهُ المُسلِمَ مَشَى في خُرفَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ، غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإن كَانَ غُدوَةً، صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإن كَانَ مَسَاءً، صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ‏)‏‏.‏ وفي لفظ ‏(‏ما مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِماً إلا بَعَثَ اللَهُ لَه سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يصَلّونَ عَلَيه أَيَّ ساعةٍ مِنَ النَّهار كانت حتَّى يُمْسِيَ، وأيَّ ساعَةٍ مِن الليلِ كانت حتَّى يُصْبِحَ‏)‏‏.‏

وكان يعود من الرمد وغيره، وكان أحياناً يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسحُ صدره وبطنه ويقول‏:‏ ‏(‏اللَّهُمَّ اشْفِهِ‏)‏ وكان يمسح وجهه أيضاً‏.‏

وكان إذا يئس من المريض قال‏:‏ ‏(‏إنا للهِ وإنَّا إليه رَاجِعُون‏)‏‏.‏

كان هديُه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكملَ الهدي، مخالفاً لهدي سائر الأمم، مشتمِلاً على الإِحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، وعلى الإِحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي لِلَّه وحدَه فيما يُعامل به الميت‏.‏ وكان مِن هديه في الجنائز إقامةُ العبوديةِ للربِّ تبارك وتعالى على أكمل الأحوال، والإِحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى اللّه على أحسن أحواله وأفضلِها، ووقوفه ووقوف أصحابه صفوفاً يحمَدون اللّه ويستغفرون له، ويسألون له المغفرةَ والرحمةَ والتجاوزَ عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يُودِعُوهُ حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوجَ ما كان إليه، ثم يتعاهدُه بالزيارة له في قبره، والسلام عليه، والدعاء له كما يتعاهدُ الحيُّ صاحِبَه في دار الدنيا‏.‏

فأول ذلك‏:‏ تعاهدُه في مرضه، وتذكيرُه الآخرة، وأمرُه بالوصية، والتوبة، وأمرُ مَنْ حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا اللّه لتكون آخر كلامه، ثم النهى عن عادة الأمم التي لا تؤمِنُ بالبعث والنُّشور، مِن لطم الخدُود، وشقِّ الثياب، وحلقِ الرؤوس، ورفع الصوت بالنَّدب، والنِّياحة وتوابع ذلك‏.‏

وسَنَّ الخشوعَ للميت، والبكاءَ الذي لا صوت معه، وحُزْنَ القلب، وكان يفعل ذلك ويقول‏:‏ ‏(‏تَدْمَعُ العينُ وَيَحْزَنُ القَلبُ وَلاَ نَقولُ إلا ما يُرضِي الرَّبَّ‏)‏‏.‏

وسَنَّ لأمته الحمد والاسترجاعَ، والرضى عن اللّه، ولم يكن ذلك منافياً لدمع العين وحُزنِ القلب، ولذلك كان أرضى الخلقِ عن اللّه في قضائه، وأعظمهم له حَمداً، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة به، ورحمة للولد، ورِقَّة عليه، والقلبُ ممتلئ بالرَضى عن اللّه عز وجل وشكره، واللسانُ مشتغل بذِكره وحمده‏.‏

ولما ضاق هذا المشهدُ والجمُع بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولده، جعل يضحك، فقيل له‏:‏ أتضحك في هذه الحالة‏؟‏ قال‏:‏ إنَّ اللّه تَعالى قَضى بقَضَاءٍ، فأحْبَبتُ أن أرضى بِقَضَائِهِ، فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا‏:‏ كيف يبكي رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يومَ مات ابنُه إبراهيم وهو أرضى الخلقِ عن الله، ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك، فسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول‏:‏ هَدْيُ نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمَلَ من هدي هذا العارف، فإنه أعطى العبودية حقها فاتسع قلبه للرضى عن اللّه، ولرحمة الولد، والرقَّةِ عليه، فحمِد اللّه، ورَضيَ عنه في قضائه، وبكى رحمةَ ورأفة، فحملته الرأفة على البكاء، وعبوديتُه للّه، ومحبته له على الرضى والحمد، وهذا العارفُ ضاق قلبُه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنُه لشهودهما
والقيامِ بهما، فَشَغَلَتْهُ عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة‏

عادل عارف
Admin

عدد الرسائل : 1764
تاريخ التسجيل : 27/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://smahaaleslamadelaref.chocoforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى