فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فصل‏:‏ في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

مُساهمة من طرف عادل عارف في الأحد أبريل 06, 2008 3:26 pm

كان إذا خطب، احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتد غضبُه حتى كأنه منذرُ جيش، يقول‏:‏ ‏(‏صَبَّحَكُمْ ومساكم‏)‏ ويقول‏:‏ ‏(‏بُعِثتُ أَنَا والسَّاعَة كَهَاتَينِ، وَيَقْرُنُ بَيْنَ أصبُعَيهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى‏)‏‏.‏ ويقول‏:‏ ‏(‏أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ خَيْرَ الحَديثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الهدْي هَدْي مُحَمَّدِ، وَشَرَّ الأُمورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ بِدعَةٍ ضَلاَلَة‏)‏‏.‏ ثم يقول‏:‏ ‏(‏أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَن ترَكَ مَالاً، فَلأَهلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَاً أَو ضَيَاعاً، فإليَّ وعليَّ‏)‏ رواه مسلم‏.‏
وفي لفظ‏:‏ كانت خُطبة النبي صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الجمعَةِ، يَحْمَدُ اللّه ويُثْنِي عَلَيهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أثَرِ ذلِكَ وَقَدْ عَلاَ صَوْتُه فَذَكَرُه‏.‏
وفي لفظ‏:‏ يَحْمَدُ اللّه وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُه، ثُمَّ يَقُولُ‏:‏ ‏(‏مَنْ يَهْدِ اللَّهُ، فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فلاَ هَادِيَ لَهُ، وَخَيْر الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ‏)‏‏.‏
وفي لفظ للنسائي، ‏(‏وكُلُ بِدْعةٍ ضلاَلَةٌ، وَكُلّ ضلاَلَةٍ في النَّارِ‏)‏‏.‏
وكان يقول في خطبته بعد التحميدِ والثناءِ والتشهد ‏(‏أَمَّا بَعْدُ‏)‏‏.‏
وكان يُقصِّرُ الخُطبة، ويطيل الصلاة، ويكثر الذِّكر، ويَقْصدُ الكلماتِ الجوامع، وكان يقول‏:‏ ‏(‏إنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِه، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهٌ‏)‏
وكان يُعَلِّمُ أصحابَه في خُطبته قواعِدَ الإِسلام، وشرائعَه، ويأمرهم، وينهاهم في خطبته إذا عَرَض له أمر، أو نهى، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يُصلي ركعتين‏.‏
ونهى المتخطِّي رِقابَ الناس عن ذلك، وأمره بالجلوس‏.‏ وكان يقطعُ خطبته للحاجة تعْرِضُ، أو السؤالِ مِنْ أَحَدٍ من أصحابه، فيُجيبه، ثم يعود إلى خُطبته، فيتمُّها‏.‏
وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعودُ فَيُتِمُّها، كما نزل لأخذ الحسن والحسين رضي اللّه عنهما، فأخذهما، ثم رَقِيَ بهما المنبر، فأتم خطبته‏.‏
وكان يدعو الرجل في خطبته‏:‏ تعالَ يا فلان، اجلِسْ يا فلان، صلِّ يا فُلان‏.‏
وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأىَ منهم ذا فاقة وحاجة، أمرهم بالصدقة، وحضهم عليها‏.‏
وكان يُشير بأصبعه السَّبَّابَة في خطبته عند ذكر اللّه تعالى ودعائه‏.‏
وكان يستسقي بهم إذا قَحَطَ المطر في خطبته‏.‏
وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمعَ الناسُ، فإذا اجتمعوا، خرج إليهم وحدَه من غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان، ولا طرحة، ولا سواد، فإذا دخل المسجد، سلَّم عليهم، فإذا صَعِد المنبر، استقبل الناسَ بوجهه، وسلَّم عليهم، ولم يدع مستقبلَ القبلة، ثم يجلِس، ويأخذ بلالٌ في الأذان، فإذا فرغ‏.‏ منه، قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب من غير فَصلٍ بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا غيره‏.‏
ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيرَه، وإنما كان يعتَمِد على قوس أو عصاً قبل أن يتَّخذ المنبر، وكان في الحرب يَعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمِد على عصا‏.‏ ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائماً، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف، فَمِن فَرطِ جهله، فإنه لا يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف، ولا قوس، ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفاً البتة، وإنما كان يعتمِد على عصا أو قوس‏.‏
وكان منبره ثلاثَ درجات، وكان قبلِ اتخاذه يخطُب إلى جِذع يستند إليه، فلما تحوَّل إلى المنبر، حنَّ الجِذْعُ حنيناً سمعه أهل المسجد، فنزل إليه صلى الله عليه وسلم وضمَّه قال أنس‏:‏ حنَّ لما فقد ما كان يسمع من الوحي، وفقده التصاق النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
ولم يُوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وضع في جانبه الغربي قريباً من الحائط، وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة‏.‏
وكان إذا جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم في غير الجمعة، أو خطب قائماً في الجمعة، استدار أصحابُه إليه بوجوههم، وكان وجهه صلى الله عليه وسلم قِبلَهم في وقت الخطبة‏.‏
وكان يقوم فيخطب، ثم يجلِس جلسة خفيفة، ثم يقوم، فيخطب الثانية، فإذا فرغ منها، أخذ بلال في الإِقامة‏.‏ وكان يأمر الناس بالدنِّو منه، ويأمرهم بالإِنصات، وتخبرهم أن الرجل إذا قَالَ لِصاحبه‏:‏ أَنْصِت فَقَدْ لَغَا‏.‏ ويقول‏:‏ ‏(‏مَنْ لَغَا فَلاَ جمُعَة لَهُ‏)‏‏.‏ وكان يقول‏:‏ ‏(‏مَن تَكَلَّمَ يَوْمَ الجمُعَة والإِمامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسفَاراً، والَذِي يَقُولَ لَه‏:‏ أنْصت لَيْسَت لَهُ جُمُعَة‏)‏‏.‏ رواه الإِمام أحمد‏.‏
وقال أبي بن كعب‏:‏ قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ‏(‏تبارك‏)‏ وهو قائم، فذكَّرنا بأيَّام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يَغمِزُني، فقال‏:‏ متى أُنزِلَتْ هذه السورة‏؟‏ فإني لم أسمعها إلى الآَن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا، قال‏:‏ سألتُك متى أُنزلت هذه السورة فلم تخبرني، فقال‏:‏ إنّه ليحسن لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوتَ، فذهب إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال له أُبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏صَدَق أبيُّ‏)‏‏.‏ ذكره ابن ماجه، وسعيد بن منصور، وأصله في ‏(‏مسند أحمد‏)‏‏.‏
وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يَحْضُر الجُمُعَة ثَلاثَةُ نَفَر‏:‏ رَجُلٌ حَضرَها يَلغُو وَهُوَ حَظُه منها، ورَجُلٌ حَضَرَها يَدْعو، فَهُوَ رَجُلُ دَعا اللّه عَزَّ وَجَلَّ إن شَاءَ أَعْطَاهُ، وإنْ شَاءَ مَنَعَهْ، وَرَجلٌ حَضَرهَا بإنْصاتٍ وَسُكُوتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أحداً، فَهي كَفَّارَةٌ له إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ التي تَليها، وَزيادَة ثَلاثَةَ أيْامٍ، وَذَلِكَ أن اللّه عزَّ وجَلَ يقول‏:‏ ‏{‏مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثَالِها‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 160‏]‏‏)‏، ذكره أحمد وأبو داود‏.‏
وكان إذا فرغ بلال من الأذان، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، ولم يقم أحدٌ يركع ركعتين البتة، ولم يكن الأذانُ إلا واحداً، وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد، لا سُنَّة لها قبلها، وهذا أصحُّ قولي العلماء، وعليه تدلُّ السُّنَّة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج مِن بيته، فإذا رَقِي المنبر، أخذ بلالٌ في أذان الجمعة، فإذا أكمله، أخذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأَيَ عين، فمتى كانوا يُصلون السُّنَّة‏؟‏‏!‏ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي اللّه عنه من الأذان، قاموا كلُّهم، فركعوا ركعتن، فهو أجهلُ الناس بالسُّنَّة، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سُنَّة قبلها، هو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه، وأحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي‏.‏
والذين قالوا‏:‏ إن لها سُنَّة، منهم من احتج أنها ظهرٌ مقصورة، فيثبت لها أحكامُ الظهر، وهذه حجة ضعيفة جداً، فإن الجمعة صلاةٌ مستقِلة بنفسها تُخالف الظهر في الجهر، والعدد، والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتُوافقها في الوقت، وليس إلحاقُ مسألة النزاع بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق، بل إلحاقها بموارد الافتراق أولى، لأنها أكثر مما اتفقا فيه‏.‏
ومنهم من أثبت السُّنَّة لها بالقياس على الظهر، وهو أيضاً قياس فاسد، فإن السُنَّة ما كان ثابتاً عن النبي من قول أو فعل، أو سُنة خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك، ولا يجوز إثباتُ السنن في مثل هذا بالقياس، وأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يفعله ولم يشرعه، كان تركُه هو السُنَّة، ونظيرُ هذا، أن يُشرع لصلاة العيد سنة قبلها أو بعدها بالقياس، فلذلك كان الصحيحُ أنه لا يسن الغسل للمبيت بمزدلفة، ولا لِرمي الجمار، ولا للطواف، ولا للكسوف، ولا للاستسقاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابَه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات‏.‏
ومنهم من احتج بما ذكره البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏ فقال‏:‏ باب الصلاة قبل الجمعة وبعدها‏:‏ حدثنا عبد اللّه بن يُوسف، أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يُصلي قبلَ الظُّهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وقبل العشاء ركعتين، وكان لا يُصلي بعد الجمعة حتى ينصَرِف، فيُصلي ركعتين وهذا لا حُجة فيه، ولم يُرد به البخاري إثباتَ السنة قبل الجمعة، وإنما مرادُه أنه هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء‏؟‏ ثم ذكر هذا الحديث، أي‏:‏ أنه لم يُرو عنه فعلُ السنة إلا بعدها، ولم يرد قبلها شيء‏.‏
وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين، فإنه قال‏:‏ باب الصلاة قبل العيد وبعدها، وقال أبو المعلَّى‏:‏ سمعت سعيداً عن ابن عباس، أنه كره الصلاة قبل العيد‏.‏ ثم ذكر حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر، فصلَّى ركعتين، لم يصل قبلَهما ولا بعدَهما ومعه بلال الحديث‏.‏
فترجم للعيد مثلَ ما ترجم للجمعة، وذكر للعيد حديثاً دالاً على أنه لا تشرع الصلاةُ قبلَها ولا بعدَها، فدل على أن مراده من الجمعة كذلك‏.‏
وقد ظن بعضُهم أن الجمعة لما كانت بدلاً عن الظهر- وقد ذكر في الحديث السنة قبل الظهر وبعدها - دلَّ على أن الجمعة كذلك، وإنما قال‏:‏ ‏(‏وكان لا يُصلي بعد الجمعة حتى ينصرِفَ‏)‏ بياناً لموضع صلاة السنة بعد الجمعة، وأنه بعد الانصراف، وهذا الظن غلط منه، لأن البخاري قد ذكر في باب التطوع بعد المكتوبة حديثَ ابن عمر رضي اللّه عنه‏:‏ صليتُ مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سَجْدتينِ قبل الظهر، وسجدتين بعدَ الظهر، وسجدتين بعدَ المغرب، وسجدتينِ بعد العشاء، وسجدتينِ بعد الجمعة‏.‏ فهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلاةٌ مستقِلَة بنفسها غير الظهر، وإلا لم يحتج إلى ذِكرها لِدخولها تحتَ اسم الظهر، فلما لم يذكر لها سنةً إلا بعدها، عُلِمَ أنه لا سنة لها قبلها‏.‏
ومنهم من احتج بما رواه ابن ماجه في ‏(‏سننه‏)‏ عن أبي هريرة وجابر، قال‏:‏ جاء سُلَيك الغَطفاني ورسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يخطبُ فقال له‏:‏ ‏(‏أَصَلَّيْتَ ركْعَتَيْن قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فَصلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّز فيهما‏)‏‏.‏ وإسناده ثقات‏.‏
قال أبو البركات ابن تيمية‏:‏ وقوله‏:‏ ‏(‏قبل أن تجيء‏)‏ يدل عن أن هاتين الركعتين سنة الجمعة، وليست تحية المسجد‏.‏ قال‏:‏ شيخنا حفيدُه أبو العباس‏:‏ وهذا غلط، والحديث المعروف في ‏(‏الصحيحين‏)‏ عن جابر، قال‏:‏ دخل رجال يومَ الجمعة ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال ‏(‏أَصلَّيْتَ‏)‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فَصّل رَكْعَتَيْن‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏إذا جاء أَحَدُكُم الجُمُعَةَ والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَليَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيتَجَوَّزْ فيهما‏)‏‏.‏ فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في الغالب غيرُ صحيحة، هذا معنى كلامه‏.‏
وقال شيخنا أبو الحجَّاج الحافظ المزي‏:‏ هذا تصحيف من الرواة، إنما هو ‏(‏أصليتَ قبل أن تجلس‏)‏ فغلط فيه الناسخُ‏.‏ وقال‏:‏ وكتابُ ابنِ ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم، فإن الحفاظ تداولوهما، واعتَنَوْا بضبطهما وتصحيحهما، قال‏:‏ ولذلك وقع فيه أغلاطٌ وتصحيف‏

عادل عارف
Admin

عدد الرسائل : 1764
تاريخ التسجيل : 27/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://smahaaleslamadelaref.chocoforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع........

مُساهمة من طرف عادل عارف في الأحد أبريل 06, 2008 3:26 pm

قلت‏:‏ ويدل على صحة هذا أن الذين اعتَنَوْا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها، وصنفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها، لم يذكر واحدٌ منهم هذا الحديثَ في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحية المسجد والإِمام على المنبر، واحتجوا به على من منع مِن فعلها في هذه الحال، فلو كانت هي سنةَ الجمعة، لكان ذكرها هناك، والترجمةُ عليها، وحفظُها، وشهرتُها أولى من تحية المسجد‏.‏ ويدل عليه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخل لأجل أنها تحيةُ المسجد‏.‏ ولو كانت سنة الجمعة، لأمر بها القاعدين أيضاً، ولم يخص بها الداخل وحده‏.‏

ومنهم من احتج بما رواه أبو داود في ‏(‏سننه‏)‏، قال‏:‏ حدثنا مسدَّد، قال‏:‏ حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، قال‏:‏ كان ابن عمر يُطيل الصلاة قبل الجمعة، ويُصلي بعدها ركعتين في بيته، وحدث أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك‏.‏ وهذا لا حجة فيه على أن للجمعة سنةً قبلها، وإنما أراد بقوله‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك‏:‏ أنه كان يُصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته لا يُصليهما في المسجد، وهذا هو الأفضل فيهما، كما ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏ عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يُصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته‏.‏ وفي ‏(‏السنن‏)‏ عن ابن عمر، أنه إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدم، فصلّى ركعتين، ثم تقدم فصلَّى أربعاً، وإذا كان بالمدينة، صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلَّى ركعتين، ولم يُصل بالمسجد، فقيل له، فقال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يفعل ذلك‏.‏ وأما إطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة، فإنه تطوعٌ مطلق، وهذا هو الأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغِل بالصلاة حتى يخرج الإِمام، كما تقدم من حديث أبي هريرة، ونُبيشة الهذلي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى المسجدَ، فصلَّى ما قُدِّرَ له، ثم أنصتَ حتى يَفرُغَ الإمامُ من خُطبته، ثم يُصلي معه، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيَّامٍ‏)‏‏.‏ وفي حديث نُبيشة الهذلي‏:‏ ‏(‏إن المسلمَ إذا اغتسل يومَ الجمعة، ثم أقبلَ إلى المسجد لا يُؤذي أحداً، فإن لم يجد الإِمام خَرج، صلَّى ما بدا له، وإن وجد الإمامَ خرج، جلس، فاستمع وأنصت حتى يقضيَ الإمامُ جمعته وكلامَه، إن لمَ يُغفر له في جُمعته تلك ذنوبه كلُّها أَنْ تكون كَفَّارَةً للجمعة التي تليها‏)‏ هكذا كان هديُ الصحابة رضي اللّه عنهم‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ روينا عن ابن عمر‏:‏ أنه كان يُصلي قبل الجمعة ثِنتي عشرة ركعة‏.‏

وعن ابن عباس، أنه كان يصلي ثمان ركعات‏.‏ وهذا دليل على أن ذلك كان منهم من باب التطوع المطلق، ولذلك اختلف في العدد المرويَ عنهم في ذلك، وقال الترمذي في ‏(‏الجامع‏)‏‏:‏ ورُوي عن ابن مسعود، أنه كان يُصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً‏.‏ وإليه ذهب ابنُ المبارك والثوريُّ‏.‏

وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء النيسابوري‏:‏ رأيتُ أبا عبد اللّه، إذا كان يوم الجمعة يُصلي إلى أن يعلمَ أن الشمس قد قاربت أن تزول، فإذا قاربت، أمسك عن الصلاة حتى يُؤذِّنَ المؤذِّن، فإذا أخذ في الأذان، قام فصلى ركعتين أو أربعاً، يَفصِل بينهما بالسلام، فإذا صلى الفريضة، انتظر في المسجد، ثم يخرج منه، فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع، فيُصلي فيه ركعتين، ثم يجلس، وربما صلَّى أربعاً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيصلي ركعتين أخريين، فتلك ست ركعات على حديث علي، وربما صلى بعد الست ستاً أخر، أو أقل، أو أكثر‏.‏ وقد أخذ من هذا بعضُ أصحابه رواية‏:‏ أن للجمعة قبلها سنة ركعتين أو أربعاً، وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر، فإن أحمد كان يُمسك عن الصلاة في وقت النهي، فإذا زال وقت النهي، قام فأتم تطوعه إلى خروج الإِمام، فربما أدرك أربعاً، وربما لم يُدرك إلا ركعتين‏.‏

ومنهم من احتج على ثبوت السنة قبلها، بما رواه ابن ماجه في ‏(‏سننه‏)‏ حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يزيد بن عبد ربِّه، حدثنا بقية، عن مبشر بن عبيد، عن حجاج بن أرطاة، عن عطية العَوْفي، عن ابن عباس، قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يركع قبل الجُمعة أربعاً، لا يفصِل بينها في شيء منها‏.‏ قال ابن ماجه‏:‏ باب الصلاة قبل الجمعة، فذكره‏.‏

وهذا الحديث فيه عدة بلايا، إحداها‏:‏ بقية بن الوليد‏:‏ إمام المدلسين وقد عنعنه، ولم يصرح بالسماع‏.‏

الثانية‏:‏ مبشر بن عُبيد، المنكر الحديث‏.‏ وقال عبد اللّه بن أحمد‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ شيخ كان يقال له‏:‏ مبشر بن عبيد كان بحمص، أظنه كوفياً، روى عنه بقية، وأبو المغيرة، أحاديثُه أحاديث موضوعة كذب‏.‏ وقال الدارقطني‏:‏ مبشر بن عبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها‏.‏

الثالثة‏:‏ الحجاج بن أرطاة الضعيف المدلس‏.‏

الرابعة‏:‏‏.‏عطية العوفي، قال البخاري‏:‏ كان هشيم يتكلم فيه، وضعفه أحمد وغيره‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ عطية العَوْفي لا يحتج به، ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى وضع الحديث، والحجاج بن أرطاة، لا يحتج به‏.‏ قال بعضهم‏:‏ ولعل الحديث انقلب على بعضِ هؤلاء الثلاثة الضعفاء، لعدم ضبطهم وإتقانهم، فقال‏:‏ قَبْلَ الجُمُعة أربعاً، وإنما هو بعد الجمعة، فيكون موافقاً لما ثبت في ‏(‏الصحيح‏)‏ ونظير هذا‏:‏ قول الشافعي في رواية عبد اللّه بن عمر العمري‏:‏ ‏(‏للفارس سهمان، وللراجل سهم‏)‏‏.‏ قال الشافعي‏:‏ كأنه سمع نافعاً يقول‏:‏ للفرس سهمان، وللراجل سهم، فقال‏:‏ للفارس سهمان، وللراجل سهم‏.‏ حتى يكون موافقاً لحديث أخيه عبيد اللّه، قال‏:‏ وليس يشك أحد من أهل العلم في تقديم عبيد اللّه بن عمر على أخيه عبد اللّه في الحفظ‏.‏

قلت‏:‏ ونظير هذا ما قاله شيخُ الإِسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة ‏(‏لا تَزَالُ جَهَنم يُلقى فيهَا، وهي تَقُول‏:‏ هَل مِن مَزيد‏؟‏ حتى يَضَعَ ربُّ العِزَّةِ فيها قدمَه، فَيَرْوِي بَعضُها إلى بَعْض، وتقول‏:‏ قَط، قَط‏.‏ وأما الجنةُ‏:‏ فيُنشىء الله لها خلقاً‏)‏ فانقلب على بعض الرواة فقال أما النار‏:‏ فينشىء اللّه لها خلقاً‏.‏

قلت‏:‏ ونظيرُ هذا حديثُ عائشة ‏(‏إن بلالاً يؤذِّن بلَيل، فكُلُوا واشرَبُوا حتى يُؤذِّن ابنُ أم مكتوم‏)‏ وهو في ‏(‏الصحيحين‏)‏ فانقلب على بعض الرواة، فقال‏:‏ ابنُ أم مكتوم يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن بلال‏.‏

ونظيره أيضاً عندي حديث أبي هريرة ‏(‏إذا صَلَى أَحَدُكُم فَلاَ يَبْرُك كمَا يَبْرُكُ البَعيرُ وليضَعْ يَدَه قَبْلَ رُكبَتَيْهِ‏)‏ وأظنه وَهِمَ - واللّه أعلم - فيما قاله رسولُه الصادق المصدوق، ‏(‏وليضع ركبتيه قبل يديه‏)‏‏.‏ كما قال وائل بن حُجر‏:‏ كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏(‏إذا سجد، وضع رُكبتيه قبل يديه‏)‏‏.‏ وقال الخطابي وغيره‏:‏ وحديثُ وائل بن حجر، أصح من حديث أبي هريرة‏.‏ وقد سبقت المسألة مستوفاة في هذا الكتاب والحمد لله‏.‏

وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة، دخل إلى منزله، فصلى ركعتين سُنَّتَها، وأمر مَنْ صلاها أن يُصليَ بعدها أربعاً‏.‏ قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية‏:‏ إن صلى في المسجد، صلى أربعاً، وإن صلى في بيته، صلى ركعتين‏.‏ قلتُ‏:‏ وعلى هذا تدل الأحاديث، وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلَّى في المسجد، صلى أربعاً، وإذا صلى في بيته، صلى ركعتين‏.‏

[right]وفي ‏(‏الصحيحين‏)‏‏:‏ عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته‏.‏ وفي ‏(‏صحيح مسلم‏)‏، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَة، فَلْيصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ‏)‏‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ [/


عدل سابقا من قبل عادل عارف في الأحد أبريل 06, 2008 3:43 pm عدل 1 مرات

عادل عارف
Admin

عدد الرسائل : 1764
تاريخ التسجيل : 27/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://smahaaleslamadelaref.chocoforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع..........

مُساهمة من طرف عادل عارف في الأحد أبريل 06, 2008 3:30 pm

أحدها‏:‏ أن الأعراب كانوا قد حجُوا تلك السنة، فأراد أن يُعلِّمَهم أن فرضَ الصلاة أربع، لئلا يتوهَّموا أنها ركعتان في الحضر والسفر، ورُدَّ هذا التأويلُ بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا حديثي عهد بالإِسلام، والعهدُ بالصلاة قريبٌ، ومع هذا، فلم يُربِّعْ بهم النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
التأويل الثاني‏:‏ أنه كان إماماً للناس، والإِمام حيث نزل، فهو عمله ومحل ولايته، فكأنه وطنه، ورُدَّ هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإِطلاق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان هو أولى بذلك، وكان هو الإِمامَ المطلق، ولم يُربِّع‏.‏
التأويل الثالث أن مِنى كانت قد بُنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في عهده، ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانت فضاءً، ولهذا قيل له‏:‏ يا رسول الله ألا نبني لك بمِنى بيتاً يُظِلُكَ مِن الحر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا منى مُنَاخُ مَنْ سَبَق‏)‏‏.‏ فتأوَّل عثمانُ أن القصر إنما يكون في حال السفر‏.‏ هذا التأويلُ بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشراً يقصُر الصلاة‏.‏
التأويل الرابع‏:‏ أنه أقام بها ثلاثاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يُقيمُ المُهَاجر بَعْدَ قَضَاءِ نسُكِهِ ثَلاثاً‏)‏ فسماه مقيماً، والمقيم غيرُ مسافر، ورُدَّ هذا التأويلُ بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء السفر ليست بالإِقامة التي هي قسيم السفر، وقد أقام صلى الله عليه وسلم بمكة عشراً يقصُر الصلاة، وأقام بمِنى بعد نسُكه أيامَ الجمار الثلاث يقصُرُ الصَّلاة‏.‏
التأويل الخامس‏:‏ أنه كان قد عزم على الإِقامة والاستيطان بمِنى، واتخاذِها دارَ الخلافة، فلهذا أتم، ثم بدا له أن يَرجع إلى المدينة، وهذا التأويل أيضاً مما لا يقوى، فإن عثمانَ رضي الله عنه من المهاجرين الأولين، وقد مَنع صلى الله عليه وسلم المهاجرين من الإِقامة بمكة بعد نسكهم، ورخَّص لهم فيها ثلاثة أيام فقط، فلم يكن عُثمانُ لِيقيم بها، وقد منع النبيُّ صلى الله عليه وسلم من ذلك، وإنما رخَص فيها ثلاثاً وذلك لأنهم تركوها للّه، وما تُرِكَ للّه، فإنه لا يُعاد فيه، ولا يُسترجع، ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم مِن شراء المتصدِّق لصدقته، وقال لعمر‏:‏ ‏(‏لا تَشتَرِهَا، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ‏)‏‏.‏ فجعله عائداً في صدقته مع أخذها بالثمن‏.‏
التأويل السادس‏:‏ أنه كان قد تأهَّل بمنى والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة، أتم، ويُروى في ذلك حديث مرفوع، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي، عن ابن أبي ذُباب، عن أبيه قال‏:‏ صلى عثمان بأهل مِنى أربعاً وقال‏:‏ يا أيُّها الناسُ‏!‏ لما قَدِمتُ تأهَّلت بها، وإني سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إذا تَأهَّل الرَّجُل بِبَلْدَةٍ، فإنَّه يُصَلِّي بها صلاةَ مُقيم‏)‏‏.‏ رواه الإِمام أحمد رحمه اللّه في ‏(‏مسنده‏)‏ وعبد الله بن الزبير الحُميدي في ‏(‏مسنده‏)‏ أيضاً، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم‏.‏ قال أبو البركات ابن تيمية‏:‏ ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في ‏(‏تاريخه‏)‏ ولم يطعن فيه، وعادتُه ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج، لزمه الإِتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأصحابهما، وهذا أحسن ما اعتُذِر به عن عثمان‏.‏
وقد اعتُذِرَ عن عائشة أنها كانت أمَّ المؤمنين، فحيث نزلت كان وطنها، وهو أيضاً اعتذار ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين أيضاً، وأمومة أزواجه فرع عن أبوته، ولم يكن يُتم لهذا السبب‏.‏ وقد روى هشام بن عُروة، عن أبيه، أنها كانت تُصلي في السفر أربعاً، فقلت لها‏:‏ لو صليتِ ركعتين، فقالت‏:‏ يا ابن أختي‏!‏ إنه لا يشق عليَّ‏.‏
قال الشافعي رحمه اللّه‏:‏ لو كان فرضُ المسافر ركعتين، لما أتمها عثمان، ولا عائشة، ولا ابنُ مسعود، ولم يَجُزْ أن يُتمها مسافر مع مقيم، وقد قالت عائشة‏:‏ كلُّ ذلك قد فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أتم وقصر، ثم روى عن إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت‏:‏ كُلّ ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، قصر الصلاة في السفر وأتم‏.‏
قال البيهقى‏:‏ وكذلك رواه المغيرة بن زياد، عن عطاء، وأصح إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي، عن الدارقطني، عن المحاملي، حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد، عن عطاء، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقصرُ في الصلاةِ ويتم، ويُفطر، ويصوم‏.‏
قال الدارقطني‏:‏ وهذا إسناد صحيح ثم ساق من طريق أبي بكر النيسابوري، عن عباس الدوري، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا العلاء بن زهير، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة، أنها اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، حتى إذا قَدِمت مكة، قالت‏:‏ يا رسول الله بأبي أنتَ وأمي، قصرتَ وأتممت، وصمتَ وأفطرتُ‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أحسنتِ يا عائشة‏)‏‏.‏
وسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول‏:‏ هذا الحديث كذبٌ على عائشة، ولم تكن عائشة لتُصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصُرون، ثم تتم هي وحدها بلا موجب‏.‏ كيف وهي القائلة‏:‏ فُرِضتِ الصلاةُ ركعتين ركعتين، فَزِيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر‏.‏ فكيف يُظن أنها تزيد على ما فرض اللّه، وتُخالف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏
قال الزهري لعروة لما حدثه عنها بذلك‏:‏ فما شأنها كانت تُتم الصلاة‏؟‏ فقال‏:‏ تأولت كما أول عثمان فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حسَّن فِعلها وأقرَّها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يُضاف إتمامُها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لم يكن يَزيدُ في السفر على ركعتين، ولا أبو بكر، ولا عمر‏.‏ أفيُظَنُّ بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم، وهي تراهم يقصُرون‏؟‏ وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم، فإنها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلاً، والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له واللّه أعلم‏.‏ وقد قال أميةُ بن خالد لعبد اللّه بن عمر‏:‏ إنا نجد صلاة الحضر، وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن‏؟‏ فقال له ابنُ عمر‏:‏ يا أخي إن اللّه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا محمداً صلى الله عليه وسلم يفعل‏.‏
وقد قال أنس‏:‏ خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فكان يُصلي ركعتينِ ركعتينِ، حتى رجعنا إلى المدينة‏.‏
وقال ابن عمر‏:‏ صحبتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر، وعثمان رضي اللّه عنهم، وهذه كلّها أحاديثُ صحيحة‏.‏
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصارُ على الفرض، ولم يُحفظ عنه أنه صلى سُنة الصلاة قبلَها ولا بعدَها، إلا ما كان من الوِتر وسنة الفجر، فإنه لم يكن ليدعهما حَضراً، ولا سفراً‏.‏ قال ابنُ عمر وقد سئل عن ذلَك‏:‏ فقال‏:‏ صحبتُ اَلنبى صلى الله عليه وسلم، فلم أره يُسبِّح في السفر، وقال اللّه عز وجل‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 21‏]‏، ومراده بالتسبيح‏:‏ السنة الراتبة، وإلا فقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يُسبِّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه‏.‏ وفي ‏(‏الصحيحين‏)‏، عن ابن عمر، قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي في السفر على راحلته حيثُ توجهت، يُومئ إيماءً صلاةَ الليل، إلا الفرائضَ ويُوتر على راحلته‏.‏
قال الشافعي رحمه اللّه‏:‏ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يتنفل ليلاً، وهو يقصُر، وفي ‏(‏الصحيحين‏)‏‏:‏ عن عامر بن ربيعة، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي السُّبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته فهذا قيام الليل‏.‏
وسئل الإمام أحمد رحمه اللّه، عن التطوع في السفر‏؟‏ فقال‏:‏ أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأسٌ، ورُوي عن الحسن قال‏:‏ كان أصحابُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يُسافرون، فيتطوَّعون قبل المكتوبة وبعدها، وروي هذا عن عمر، وعلي، وابنِ مسعود، وجابرٍ، وأنس، وابنِ عباس، وأبي ذر‏.‏
وأما ابنُ عمر، فكان لا يتطوَّع قبلَ الفريضة ولا بعدَهَا، إلا مِن جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي بطلى صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يُصلي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئاً، ولكن لم يكن يمنعُ من التطوع قبلها ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتِبة للصلاة، كسنة صلاة الإِقامة، ويؤيد هذا أن الرباعية قد خُففت إلى ركعتين تخفيفاً على المسافر، فكيف يجعل لها سنة راتبة يُحافظ عليها وقد خفف الفرض إلى ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر، وإلا كان الإِتمام أولى به، ولهذا قال عبد اللّه بن عمر‏:‏ لو كنت مسبِّحاً، لأتممتُ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضُحى، وهو إذ ذاك مسافر‏.‏ وأما ما رواه أبو داود والترمذي في السنن، من حديث الليث، عن صفوان بن سليم، عن أبي بُسرة الغفاري، عن البراء بن عازب، قال‏:‏ سافرتُ مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمانيةَ عشر سفراً، فلم أره ترك ركعتين غد زَيْغِ الشمس قبل الظهر‏.‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث غريب‏.‏ قال‏:‏ وسألت محمداً عنه، فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بسرة ورآه حسناً‏.‏ وبسرة‏:‏ بالباء الموحدة المضمومة، وسكون السين المهملة‏.‏
وأما حديث عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدعُ أربعاً قبل الظهر، وركعتينِ بعدها، فرواه البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏ ولكنه ليس بصريح في فعله ذلك في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإِقامة، والرجال أعلم بسفره من النساء، وقد أخبر ابن عمر أنه لم يزد على ركعتين، ولم يكن ابن عمر يصلي قبلها ولا بعدها شيئاً‏.‏ والله أعلم‏.‏
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم صلاةُ التطوع على راحلته حيث توجَّهت به، وكان يُومئ إيماءً برأسه في ركوعه، وسجوده، وسجودُه أخفضُ مِن ركوعه، وروى أحمد وأبو داود عنه، مِن حديث أنس، أنه كان يستقبِل بناقته القِبلَة عند تكبيرة الافتتاح، ثم تصلي سائرَ الصلاة حيث توجَّهت به‏.‏ وفي هذا الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته، أطلقوا أنه كان يُصلي عليها قِبَلَ أيِّ جهة توجَّهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإِحرام ولا غيرَها، كعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأحاديثُهم أصحُ مِن حديث أنس هذا، والله أعلم‏.‏ وصلى على الراحلة، وعلى الحمار إن صح عنه، وقد رواه مسلم في ‏(‏صحيحه‏)‏ من حديث ابن عمر‏.‏

عادل عارف
Admin

عدد الرسائل : 1764
تاريخ التسجيل : 27/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://smahaaleslamadelaref.chocoforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع......

مُساهمة من طرف عادل عارف في الأحد أبريل 06, 2008 3:32 pm

وصلى الفرضَ بهم على الرواحل لأجل المطر والطين إن صح الخبرُ بذلك، وقد رواه أحمد والترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام انتهى إلى مضيق هو وأصحابُه وهو على راحلته، والسَّماء مِن فوقهم، والبِلَّةُ من أسفلَ منهم، فحضرتُ الصلاةُ، فأمر المؤذِّن فأذن، وأقام، ثم تقدَم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على راحلته، فصلى بهم يُومى إيماءً، فجعل السجود أخفضَ من الركوع‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث غريب، تفرد به عمر بن الرماح، وثبت ذلك عن أنس من فعله‏.‏
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم، أنه إذا ارتحل قبل أن تَزيغ الشمسُ، أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زالت الشمسُ قبل أن يَرتَحِلَ، صلَّى الظهر، ثم ركب‏.‏ وكان إذا أعجله السيرُ، أخَّر المغربَ حتى يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء‏.‏ وقد رُوي عنه في غزوة تبوك، أنه كان إذا زاغت الشمسُ قبل أن يرتحِل، جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّر الظهر حتى ينزل للعصر، فيصليهما جميعاً، وكذلك في المغرب والعشاء، لكن اختلف في هذا الحديث، فمن مصحح له، ومن محسن، ومن قادح فيه، وجعله موضوعاً كالحاكم، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رُمي بعلّة عجيبة، قال الحاكم‏:‏ حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بنُ سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزِيغ الشمس، أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، ويُصليَهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب، أخَّر المغرب حتى يُصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب، عجل العشاء فصلها مع المغرب‏.‏ قال الحاكم‏:‏ هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإِسناد والمتن، ثم لا نعرِف له علة نُعله بها‏.‏ فلو كان الحديث عن الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، لعللنا به الحديث‏.‏ ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين، خرج عن أن يكون معلولاً، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا‏:‏ الحديث شاذ‏.‏ وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال‏:‏ كان قُتيبة بن سعيد يقول لنا‏:‏ على هذا الحديث علامةُ أحمد بن حنبل، وعليَ بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجُّباً من إسناده ومتنه، ثم لَمْ يَبلُغْنَا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث عِلَّة، ثم قال‏:‏ فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون، ثم ذكر بإسناده إلى البخاري‏.‏ قال‏:‏ قلت لقتيبة بن سعيد‏:‏ مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل‏؟‏ قال‏:‏ كتبته مع خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني‏.‏ قال البخاري‏:‏ وكان خالد المدائني يُدخل الأحاديث على الشيوخ‏.‏
قلت‏:‏ وحكمه بالوضع على هذا الحديث غيرُ مسلَّم، فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد اللّه بن موهب الرملي، حدثنا المفضل بن فضالة، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ فذكره‏.‏‏.‏‏.‏ فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجلَّ من المفضل وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به، ثم إن قُتيبة صرح بالسماع فقال‏:‏ حدثنا ولم يعنعن، فكيف يُقدح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة، والحفظ، والثقة، والعدالة‏.‏ وقد روى إسحاق بن راهويه‏:‏ حدثنا شبابة، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كان إذا كان في سفر، فزالت الشمسُ، صلَّى الظهر والعصر، ثم ارتحل‏)‏‏.‏ وهذا إسناد كما ترى، وشبابة‏:‏ هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له مسلم في ‏(‏صحيحه‏)‏ عن الليث بن سعد بهذا الإِسناد، على شرط الشيخين، وأقلُّ درجاته أن يكون مقوياً لحديث معاذ، وأصله في ‏(‏الصحيحين‏)‏ لكن ليس فيه جمعُ التقديم‏.‏ ثم قال أبو داود‏:‏ وروى هشام، عن عروة، عن حسين بن عبد للّه، عن كريب، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو حديث المفضل، يعني حديث معاذ في الجمع والتقديم، ولفظه‏:‏ عن حسين بن عبد اللّه بن عُبيد الله بن عباس، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال‏:‏ ألا أخبركم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في السفر‏؟‏ كان إذا زالتِ الشمس وهو في منزله، جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل أن تزول الشمس، أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر، قال‏:‏ وأحْسِبُه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك، ورواه الشافعي من حديث ابن أبي يحيى، عن حسين، ومن حديث ابن عجلان بلاغاً عن حسين‏.‏
قال البيهقي‏:‏ هكذا رواه الأكابر، هشام بن عروة وغيره، عن حسين بن عبد اللّه‏.‏ ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة، وعن كريب كلاهما عن ابن عباس، ورواه أيوب عن أبي قِلابة، عن ابن عباس، قال‏:‏ ولا أعلمه إلا مرفوعاً‏.‏
وقال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ حدثنا إسماعيل بن أبي إدريس، قال‏:‏ حدثني أخي، عن سليمان بن مالك، عن هشام بن عروة، عن كريب عن ابن عباس، قال‏:‏ كان رسولى اللّه صلى الله عليه وسلم إذا جدَّ به السير، فراح قبل أن تَزيغ الشمسُ، ركِب فسار، ثم نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا لم يَرُحْ حتى تزِيغ الشمس، جمع بين الظهر والعصر، ثم ركب، وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاةُ المغرب، جمع بين المغرب وبين صلاة العشاء‏.‏
قال أبو العباس بن سريج‏:‏ روى يحيى بن عبد الحميد، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخض إذا لم يرتحِلْ حتى تزيغ الشمس، صلَّى الظهر والعصر جميعاً، فإذا لم تَزِغْ، أخَرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر‏.‏
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية‏:‏ ويدل على جمع التقديم جمعه بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف، ليتصل وقت الدعاء، ولا يقطعُه بالنزول لصلاة العصر مع إمكان ذلك بِلا مشقة، فالجمعُ كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى‏.‏
قال الشافعي‏:‏ وكان أرفقَ به يوم عرفة تقديمُ العصر لأن يتَّصِلَ له الدعاءُ، فلا يقطعه بصلاة العصر، وأرفق بالمزدلفة أن يتصلَ له المسير، ولا يقطعه بالنزول للمغرب، لما في ذلك من التضييق على الناس‏.‏ والله أعلم‏.‏
[right]ولم يكن مِن هديه صلى الله عليه وسلم الجمعُ راكباً في سفره، كما يفعله كثير من الناس، ولا الجمع حال نزوله أيضاً، وإنما كان يجمع إذا جدَّ به السير، وإذا سار عقيبَ الصلاة، كما ذكرنا في قصة تبوك، وأما جمعه وهو نازل غيرُ مسافر، فلم يُنقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف، كما قال الشافعي رحمه اللّه وشيخنا، ولهذا خصه أبو حنيفة بعرفة، وجعله من تمام النسك، ولا تأثير للسفر عنده فيه‏.‏ وأحمد، ومالك، والشافعي، جعلوا سببه السفر، ثم اختلفوا، فجعل الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثير للسفر الطويل، ولم يجوزاه لأهل مكة، وجوز مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمعَ، والقصرَ بعرفة، واختارها شيخُنا وأبو الخطاب في عباداته، ثم طرَّد شيخنا هذا، وجعله أصلاً في جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره، كما هو مذهبُ كثير من السلف، وجعله مالك وأبو الخطاب مخصوصاً بأهل مكة‏.‏
ولم يحدَّ صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مُطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما يُروى عنه من التحديد باليوم، أو اليومين، أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة، واللّه أعلم‏.‏

عادل عارف
Admin

عدد الرسائل : 1764
تاريخ التسجيل : 27/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://smahaaleslamadelaref.chocoforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى